المقدمة
يشهد هذا الأسبوع حزمة استثنائية من القرارات النقدية الكبرى، تتصدّرها اجتماعات الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، فيما تُلقي أزمة الطاقة بظلالها على توقعات أسعار الفائدة في معظم الاقتصادات الكبرى. إليك أبرز ما تترقبه الأسواق المالية خلال الأيام القادمة.
وإلى جانب هذين البنكين، ستعقد بنوك مركزية أخرى اجتماعاتها، منها البنك السويدي وبنك النرويج والبنك الوطني السويسري، فضلاً عن البنوك المركزية اليابانية والأسترالية والإندونيسية على الجانب الآسيوي.
أداء الاقتصادات الرئيسية
الاقتصاد الأمريكي: ثلاثة محاور تحت المجهر
يحتل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي مركز الثقل هذا الأسبوع، ويكتسب أهمية مضاعفة كونه الاجتماع الأول للرئيس الجديد كيفين وارش، وسط توقعات واسعة بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير. غير أن ما سيسبق القرار وما سيليه لا يقلّ أهمية عن القرار ذاته:
أولا. مخطط النقاط Dot Plot
أولا. مخطط النقاط Dot Plot
يُصدر الفيدرالي هذا التقرير الربعي الذي يعكس توقعات أعضائه حول مسار الفائدة في الفترات القادمة. وكان المخطط السابق الصادر في مارس قد أشار إلى ميل واضح نحو تقليص خفض الفائدة، في مرحلة كانت أزمة الطاقة لا تزال في بداياتها. الآن، وفي ضوء التطورات الأخيرة، تتساءل الأسواق: هل تغيّرت الصورة؟
ثانيا. كيفن وارش: اختبار الاستقلالية:
يخضع رئيس الفيدرالي الجديد لأول اختبار علني حقيقي، إذ ستراقب الأسواق عن كثب مدى حرصه على استقلالية البنك، لا سيما مع تصاعد التكهنات بشأن قرب انتهاء الاضطرابات الجيوسياسية.
ثالثا. المؤتمر الصحفي: أسلوب جديد أم تقليد قائم؟
لطالما شكّك وارش في جدوى المؤتمرات الصحفية الدورية التي اعتادتها الأسواق منذ نحو 14 عاماً. ولهذا، ستكون ردوده على أسئلة الصحفيين محلّ تحليل دقيق من المتداولين والمحللين على حدٍّ سواء.
البيانات الاقتصادية الأمريكية المرتقبة:
تصدر هذا الأسبوع جملة من البيانات الاقتصادية، أبرزها: الإنتاج الصناعي، وبيانات بدء بناء المنازل الجديدة (الثلاثاء)، ومبيعات التجزئة، وطلبات إعانة البطالة الأسبوعية. وتجدر الإشارة إلى أن الأسواق المالية ستغلق يوم الجمعة بمناسبة عطلة Juneteenth، وهو ما سيطال أسواق الأسهم والسندات معاً.
ثانيا. أوروبا: هدوء نسبي بعد قرار المركزي الأوروبي
جاء الأسبوع الأوروبي أخفّ وطأةً على صعيد البيانات، وذلك في أعقاب قرار البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات. ويرى المحللون أن احتمالية رفع إضافي في المدى القريب تبقى محدودة، خاصةً إن أسهم انفراج الأزمة الجيوسياسية في إعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل.
على صعيد البيانات، ستصدر أرقام الإنتاج الصناعي ومؤشر أسعار المستهلكين المنسّق لشهر مايو، فضلاً عن مؤشر الثقة الاقتصادية الألماني الذي يُعدّ مقياساً نفسياً مهماً لمزاج المستثمرين في منطقة اليورو.
بنك إنجلترا: الفائدة عند 3.75% وعيون على المستقبل
يستأثر اجتماع بنك إنجلترا بالاهتمام الأوروبي هذا الأسبوع، في ظل ظروف اقتصادية بريطانية استثنائية. تشير التوقعات إلى الإبقاء على الفائدة عند مستوى 3.75%، لكن التركيز سينصبّ على أي إشارة تتعلق باستعداد البنك لرفع الفائدة في الاجتماعات المقبلة. وتُكمل هذا المشهد بيانات التضخم والوظائف وثقة المستهلك البريطاني.
وإلى جانب بنك إنجلترا، يعقد كلٌّ من البنك المركزي السويدي والنرويجي والبنك الوطني السويسري اجتماعاتها، دون توقعات بأي تغيير على أسعار الفائدة.
ثالثا. آسيا: اليابان والصين في بؤرة الاهتمام
اليابان: توافق على رفع الفائدة رغم غياب المحافظ
يُعقد اجتماع البنك المركزي الياباني في ظرف استثنائي، إذ يتغيب المحافظ لأسباب صحية. ومع ذلك، تشير التقارير إلى وجود توافق بين أعضاء مجلس الإدارة حول توجّه رفع الفائدة. وقد انعكس تراجع حدة الاضطرابات الجيوسياسية إيجاباً على الين الياباني الذي ارتفع من تجاوز مستوى 160 إلى نحو 158 يناً للدولار، مع احتمالية مزيد من التعافي إذا توصّلت الأطراف المعنية إلى اتفاق رسمي موثّق.
كذلك ستُصدر كل من أستراليا وإندونيسيا قراراتيهما بشأن الفائدة، في سياق الضغوط التضخمية وانقطاعات سلاسل إمداد الطاقة التي أثقلت كاهل عملاتهما.
الصين: الصناعة تتقدم.. والاستهلاك يتعثر
يُقبل المستثمرون على أسبوع غني بالبيانات الصينية التي ستُلقي الضوء على ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأبرزها:
- الإنتاج الصناعي: تتجه التوقعات نحو ارتفاع ملحوظ، مدفوعاً بالطلب الخارجي المتنامي على الإلكترونيات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتسق مع مؤشرات القطاع الصناعي الإيجابية خلال الشهر الماضي.
- مبيعات التجزئة: تبقى النقطة الأكثر إثارة للقلق؛ إذ لا تزال هذه البيانات ضعيفة، وهو مؤشر صريح على تراجع الاستهلاك المحلي الذي يُشكّل أحد أبرز تحديات الاقتصاد الصيني راهناً.
- الاستثمار في الأصول الثابتة: مقياس مهم لحجم الإنفاق الرأسمالي ومؤشر على ثقة الشركات بمستقبل الاقتصاد.
خلاصة: أسبوع يُحدّد ملامح الفصل الثالث
يجمع هذا الأسبوع بين قرارات نقدية محورية وبيانات اقتصادية متشعبة، في مرحلة بالغة الدقة تتداخل فيها ضغوط الطاقة مع المتغيرات الجيوسياسية. وسيكون مخطط النقاط الأمريكي وتصريحات وارش والإشارات البريطانية بشأن مسار الفائدة، من أبرز المحركات التي قد ترسم ملامح الأسواق المالية خلال الفصل الثالث من العام.

