بدأ الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2026 مرحلة معقدة من التكيف الهيكلي مع بيانات التضخم نتيجة تفاعلات التوترات الجيوسياسية الكبرى مع تغير القيادة العليا في الاحتياطي الفيدرالي، ليواجه التضخم السنوي العام مسارًا شديد التقلب متأثرًا بالصراع العسكري المباشر مع إيران وإغلاق مضيق هرمز الذي استمر لأكثر من خمسة عشر أسبوعًا، ما عطل رعب معروض الطاقة والاسمدة والهيليوم عالميًا.

ونتيجة لهذه الظروف المختلطة، واجه المستهلكون ضغوطا متصاعدة دفعت بمؤشر أسعار المستهلكين CPI إلى مسارات إعادة تسارع حادّة، بلغت ذروتها السنوية في شهر مايو 2206 حينما سجل المؤشر 4.2%، وذلك قبل أن يتراجع بفعل تخفيف حدة التوترات تدريجيًا وهدوء مؤقت في منتصف شهر يونيو من نفس العام، والتي قادت إلى هدوء في أسواق النفط العالمية، حيث بدأت الأسعار تراجع، ما أدى إلى ظهور بوادر انفراج نسبي في القراءات اللاحقة للمؤشر.

ويعد مؤشر أسعار المستهلكين الصادر شهريا عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي BLS أداة القياس الجوهرية للتغيير في تكلفة المعيشة للمستهلكين؛ حيث يقيس سلة واسعة من السلع والخدمات تضم نحو مئتي فئة فرعية.

تحليل المكونات الهيكلية الدقيقة لسلة الأسعار

مؤشر أسعار المستهلكين، المصدر: فوركس فاكتوريمؤشر أسعار المستهلكين، المصدر: فوركس فاكتوري

وعند مراجعة الاتجاه التاريخي للمؤشر، يلاحظ أن متوسط التضخم السنوي في الولايات المتحدة بلغ نحو 3.2% على مدى السنوات العشر الماضية، وقد تفاوت هذا المسار بشكل ملحوظ عقب الصدمات المتتالية للجائحة والأزمات التجارية اللاحقة؛ حيث ارتفع التضخم بمتوسط سنوي بلغ 8% عام 2022، قبل أن يتراجع تدريجيا نحو 4.1% في عام 2023، ثم 2.96% في عام 2024، ليستقر عند 2.7% العام الماضي، وذلك قبل أن يعاود المؤشر مساره المتصاعد في النصف الأول من العام الجاري ليصل إلى مستويات مقلقة قبل أن يبدأ بالاعتدال التدريجي بحلول منتصف الصيف.

تكشف التغيرات الداخلية لمكونات الرقم القياسي لأسعار المستهلكين عن تحولات هيكلية متباينة تحكم تفاصيل التضخم في عام 2026؛ حيث تقود الطاقة الاتجاهات التنازلية مؤخرًا، فيما تظهر مكونات التضخم الأساسي الذي يستثني المواد الغذائية والطاقة مقاومة شديدة للانخفاض، حيث سجل التضخم الأساسي السنوي تراجعًا طفيفا للغاية ليصل إلى 2.5% في يوليو مقارنة بنسبة 2.6% في يونيو، و2.9% في مايو.

تحليل مكونات المؤشر:

أولا. السكن: يأتي قطاع السكن في طليعة المحركات الهيكلية للتضخم الأساسي نظرا لوزنه النسبي المرتفع في السلة الاستهلاكية، حيث ارتفع بنسبة 0.1% في يوليو، مساهما بمفرده في توليد نحو ثلثي الزيادة الشهرية للمؤشر العام بالرغم من تباطؤ معدل نموه السنوي، لتؤكد تقارير أخيرة إلى أن عودة انتعاش أسعار الإقامة الفندقة والمؤقتة كانت قد ساهمت في دعم أسعار قطاع الإسكان العام.

ثانيا. قطاع السلع الاستهلاكية: سجلت أسعار الملابس نموا ملحوظا، بينما عاودت أسعار السيارات المستعملة والشاحنات انخفاضها السنوي، تزامنا مع هبوط مستمر في أسعار السلع والمستلزمات الطبية، وقطاع التأمين على السيارات، في المقابل ارتفع مؤشر النقل الجوي ومؤشر التعليم والترفيه.

ثالثا. قطاع الغذاء: ارتفع مؤشر الغذاء بشكل طفيف ليشكل بمكوناته توازنا دقيقا، وهو ما يعطي تأثيرا طفيفا على المؤشر.

المخاطر الأبرز على مؤشر التضخم

أولا. آثار التوترات الجيوسياسية المستمرة منذ نهاية فبراير الماضي.

ثانيا. الرسوم الجمركية الحمائية والسياسات التجارية التقييدية والمستمرة من قبل الإدارة الأمريكية.

ثالثا. توقعات التضخم المستقبلية التي يراقبها المستهلكون، حيث سجلت المسوحات الأخيرة استقرار توقعات التضخم الاستهلاكي عند 3.6% العام المقبل، و3.2% للسنوات الثلاث المقبلة، و3% للأعوام الخمسة القادمة، حيث يشير بقاء القراءة فوق 3% إلى أن الأفراد يعتقدون أن مستويات الأسعار الحالية تتجاوز مجرد كونها صدمة مؤقتة لتصبح جزءًا من الواقع الاقتصادي الجديد.

رابعا. فلسفة إدارة الفيدرالي الجديدة، والتي ورغم حرصها على مراقبة وضبط التضخم، إلا أنّها تلتزم بغموض حول كيفية مكافحة التضخم، وتحديدا عدم الكشف عن القرارات المستقبلية أو ما يعرف بالتوجيهات المستقبلية، مع تأكيده على أن أسعار الفائدة ستظل الأداة المهيمنة والأساسية للاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

الخلاصة: ماذا قد يعني التضخم في الولايات المتحدة بالنسبة لسياسة الاحتياطي الفيدرالي؟

يرى المحللون أن قراءة التضخم ستكون على درجة كبيرة من الأهمية في حال جاءت مخالفة للتوقعات، لا سيما إذا ما سجلت تراجعا مقارنة بتوقعات استقرارها عند المستويات الحالية، إلّا أن المؤسسات المصرفية الكبرى ترى بأن هناك مساران أساسيان:

المسار الأول. وهي تحليلات صادرة عن بنك جي بي مورغان يرى أن هناك احتمالية كبيرة لإبقاء الفائدة عند مستوياتها الحالية حتى نهاية العام الجاري، للحفاظ على النمو الاقتصادي دون التسبب في تراجعه.

المسار الثاني. وهو مسار يعبر عن رؤية مرنة يتبناها بنك جولدمان ساكس الذي يتوقع أن تبدأ كلفة التعريفات الجمركية وصدمات الطاقة بالانحسار التدريجي، ما يسمح للتضخم الأساسي بالاقتراب من 2% بحلو العام المقبل، ليبدأ الفيدرالي باتخاذ مسار تخفيض أسعار الفائدة في يونيو وديسمبر من العام المقبل مع توقعات عند 3-3.25%.