أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز القوى التي تشكّل أسواق الأسهم، إلا أن المرحلة المقبلة قد لا تتمحور حول الذكاء الاصطناعي بحد ذاته بقدر ما ستتركز على البنية التحتية اللازمة لدعمه.

خلال الجزء الأكبر من الارتفاع الأولي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، تركز اهتمام الأسواق على مجموعة محدودة نسبيًا من شركات التكنولوجيا. فقد استفادت شركات تصنيع أشباه الموصلات، ومزودو الخدمات السحابية، وأسهم شركات التكنولوجيا العملاقة ذات القيمة السوقية المرتفعة، مع تمركز المستثمرين للاستفادة من سرعة تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع استمرار تسارع الاستثمارات، بدأ تأثير هذه الموجة يمتد إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد.

وهذا يطرح سؤالًا مهمًا أمام الأسواق: إلى أين تتجه دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من هنا؟

من تبني الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

يتطلب تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا قدرات حوسبة كبيرة. وقد دفع ذلك شركات التكنولوجيا الكبرى إلى زيادة استثماراتها في مراكز البيانات، والمعالجات، ومعدات الشبكات، والبنية التحتية السحابية.

وبالنسبة إلى الأسواق، فإن ذلك يغيّر الطريقة التي يمكن من خلالها النظر إلى قطاع الذكاء الاصطناعي.

فقد اعتمدت المرحلة الأولى بدرجة كبيرة على التوقعات، حيث حاول المستثمرون تحديد الشركات الأكثر احتمالًا لقيادة تطوير الذكاء الاصطناعي وتبنيه. أما المرحلة الحالية، فتُقاد بشكل متزايد بواسطة الإنفاق الرأسمالي، مع تحوّل تلك التوقعات إلى استثمارات فعلية في البنية التحتية.

ويساعد ذلك في تفسير استمرار شركات أشباه الموصلات في لعب دور محوري في هذه الموجة. فالمعالجات المتقدمة ضرورية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، لكنها وحدها لا تكفي. إذ تتطلب أنظمة الذكاء الاصطناعي أيضًا الذاكرة، ومعدات الشبكات، والتخزين، وأنظمة التبريد، وهندسة أكثر تعقيدًا لمراكز البيانات.

ومع تزايد متطلبات الحوسبة، قد تستمر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي في التوسع لتشمل مزيدًا من القطاعات.

قد تكون الحاجة إلى الطاقة هي العائق التالي

تستحوذ الكهرباء على اهتمام متزايد من جانب الأسواق.

تعمل مراكز البيانات بشكل مستمر، وقد تتطلب كميات كبيرة من الطاقة، خصوصًا مع زيادة المتطلبات الحاسوبية لنماذج الذكاء الاصطناعي الأحدث. وبالتالي، قد يؤدي توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى زيادة الضغط على توليد الكهرباء وقدرة شبكات الطاقة في المناطق التي يتركز فيها بناء مراكز البيانات.

وهذا يُدخل مجموعة أخرى من القطاعات في دائرة الاهتمام.

فقد تحتاج شركات المرافق إلى زيادة استثماراتها في قدرات توليد ونقل الكهرباء. وقد تستفيد شركات الطاقة من زيادة الطلب المرتبط بإنتاج الكهرباء، في حين قد تستفيد الشركات الصناعية التي توفر المحولات، وأنظمة التبريد، والمعدات الكهربائية، والبنية التحتية لشبكات الطاقة من ارتفاع الإنفاق الرأسمالي.

وتكمن أهمية ذلك بالنسبة إلى الأسواق في أن الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجيًا إلى ما هو أبعد من كونه مجرد موضوع مرتبط بقطاع التكنولوجيا.

فإذا ظل الاستثمار في مراكز البيانات قويًا، فقد تصبح التطورات في أسواق الطاقة، والغاز الطبيعي، والمرافق، والبنية التحتية الصناعية مرتبطة بشكل متزايد بتوقعات الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى تحت المجهر

هناك جانب آخر من طفرة الاستثمار.

هناك جانب آخر من طفرة الاستثمار؛ فقد خصصت شركات مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا رؤوس أموال كبيرة لتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. وتمتلك هذه الشركات ميزانيات عمومية قوية وتدفقات نقدية كبيرة، ما يتيح لها تمويل استثمارات ضخمة مع الحفاظ على أعمالها الحالية.

ومع ذلك، من المرجح أن يزداد تركيز المستثمرين على العوائد الناتجة عن هذه الاستثمارات.

خلال المراحل الأولى من دورة تكنولوجية كبرى، يمكن النظر إلى ارتفاع الإنفاق الرأسمالي بشكل إيجابي، لأنه يعكس الثقة في الطلب المستقبلي. لكن مع ارتفاع مستويات الإنفاق، قد تبدأ الأسواق بطرح سؤال مختلف: ما مدى سرعة تحول هذه الاستثمارات إلى إيرادات وأرباح؟

وقد يجعل ذلك تحقيق العوائد المالية من الذكاء الاصطناعي عاملًا متزايد الأهمية خلال مواسم إعلان النتائج المالية المقبلة.

وقد يوفر نمو الخدمات السحابية، والإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتوجيهات الإنفاق الرأسمالي، وهوامش التشغيل، للمستثمرين صورة أوضح حول ما إذا كانت استثمارات الذكاء الاصطناعي بدأت تحقق عوائد مالية كافية.

موضوع استثماري يمتد إلى نطاق أوسع من السوق

قد يؤدي توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أيضًا إلى التأثير في قيادة السوق.

فقد استحوذ قطاع التكنولوجيا على قدر كبير من الاهتمام المرتبط بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما أسهم شركات أشباه الموصلات والشركات ذات القيمة السوقية الضخمة. لكن بناء مراكز البيانات على نطاق واسع يتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد معدات الحوسبة.

تعمل شركات الإنشاءات على تجهيز المواقع. وتتولى الشركات المصنعة للمعدات الكهربائية إدارة توزيع الطاقة. وتعمل شركات أنظمة التبريد على تنظيم درجات الحرارة داخل المنشآت. بينما توفر شركات المرافق الكهرباء، وتساعد شركات الطاقة والبنية التحتية في توفير الوقود والشبكات اللازمة لتوليدها.

وقد لا تحظى هذه القطاعات بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أكبر شركات التكنولوجيا، لكنها تشكل جزءًا من دورة الاستثمار نفسها.

وبالنسبة إلى المتداولين والمستثمرين، يعني ذلك أن الانكشاف على الذكاء الاصطناعي قد يظهر بشكل متزايد عبر عدة قطاعات، بدلًا من اقتصاره على مجموعة محدودة من أسهم شركات التكنولوجيا.

هل يمكن أن يتجاوز الإنفاق على الذكاء الاصطناعي الحدود المعقولة؟

على الرغم من ضخامة الفرصة، لا تزال المخاطر قائمة. 

غالبًا ما تسعّر الأسواق النمو المستقبلي قبل أن يظهر في أرباح الشركات. وقد ساهمت التوقعات القوية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالفعل في رفع تقييمات بعض شركات قطاع التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالاستثمار في مراكز البيانات.

وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الموجة قد تجاوزت حدودها، لكنه يزيد من أهمية قدرة الشركات على تحقيق النتائج المالية المتوقعة.

فإذا استمر تبني الذكاء الاصطناعي في التوسع، ونجحت الشركات في تحويل استثماراتها إلى زيادة في الإنتاجية والإيرادات، فقد يدعم الإنفاق الحالي دورة استثمارية أطول. وعلى الجانب الآخر، فإن تباطؤ التبني، أو ضعف العائد على رأس المال، أو الإفراط في بناء البنية التحتية، قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها للنمو.

ومن هنا، تظل التفرقة بين الاتجاه الهيكلي القوي والفرصة الاستثمارية الجذابة أمرًا مهمًا.

فقد تكون إحدى الشركات مستفيدة من نمو الذكاء الاصطناعي، في حين أن سعر سهمها يعكس بالفعل افتراضات متفائلة بشأن أرباحها المستقبلية.

ما الذي قد تراقبه الأسواق بعد ذلك؟

قد تُقاس المرحلة المقبلة من دورة الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف بالنتائج المالية أكثر من الإعلانات.

وسيظل الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى مؤشرًا مهمًا. كما يمكن أن يوفر الطلب على أشباه الموصلات مؤشرات حول حجم الاستثمارات في الحوسبة، في حين قد يساعد نشاط بناء مراكز البيانات والطلب على الكهرباء في تحديد مدى سرعة توسع البنية التحتية الفعلية.

وفي الوقت نفسه، قد يراقب المستثمرون بشكل متزايد ما إذا كانت الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تنمو بالسرعة الكافية لتبرير حجم الإنفاق الجاري في مختلف أنحاء القطاع.

وقد يؤدي ذلك تدريجيًا إلى تحول النقاش في الأسواق من سؤال «من لديه انكشاف على الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يحقق عوائد مستدامة من الذكاء الاصطناعي؟»

لا يزال الذكاء الاصطناعي يمثل محركًا محتملًا ذا أهمية كبيرة على المدى الطويل بالنسبة إلى الأسواق المالية، لكن تأثيره أصبح أكثر تعقيدًا بشكل متزايد. فما بدأ أساسًا كقصة مرتبطة بالتكنولوجيا وأشباه الموصلات، يتوسع الآن ليشمل قطاعات الطاقة، والمرافق، والصناعات، والبنية التحتية.

وبالنسبة إلى الأسواق، قد يكون هذا التأثير الأوسع هو ما يحدد المرحلة المقبلة من دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وقد تظل الفرص كبيرة، لكن مع تزايد حجم الاستثمارات، من المرجح أن تصبح قدرة الشركات على التنفيذ، وتحقيق الربحية، ومستويات التقييم عوامل لا تقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها.