تقف عوائد السندات في صميم تسعير معظم الأصول في الأسواق. ومن خلال فهم آلية عملها والأسباب التي تدفعها إلى التغير، يستطيع المستثمرون تكوين صورة أوضح عمّا يحدث في أسواق الأسهم والعملات، وكذلك داخل محافظهم الاستثمارية.
الخطوة الأولى: ما الذي يجعل السندات تحرّك الأسواق؟
السند هو في الأساس قرض. إذ يقرض حامل السند أمواله إلى حكومة أو شركة، مقابل الحصول على دفعات فائدة منتظمة تُعرف باسم الكوبون (Coupon)، واسترداد أصل المبلغ عند تاريخ الاستحقاق. فعندما تشتري سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، فأنت تقرض الحكومة الأمريكية أموالك لمدة عقد كامل.
بعد إصدارها، يجري تداول معظم السندات في السوق الثانوية، غالباً خارج البورصة (OTC) بين الوسطاء والمتعاملين. ويتحدد تقييم السند في السوق من خلال عاملين رئيسيين: السعر والعائد. ويشير العائد إلى المردود السنوي الذي يمكن للمستثمر توقعه إذا احتفظ بالسند حتى تاريخ الاستحقاق، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بسعره، إذ يتحرك الاثنان في اتجاهين متعاكسين.
عندما تنخفض أسعار الفائدة السائدة، تصبح السندات القديمة التي تقدم كوبونات ثابتة أعلى قيمة، وقد يجري تداولها بعلاوة سعرية. أما عندما ترتفع أسعار الفائدة، فتبدو الكوبونات نفسها أقل جاذبية، ما يدفع أسعار تلك السندات إلى التداول بخصم.
الخطوة الثانية: لماذا يُعد عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مرجعاً أساسياً؟
يُستخدم عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بوصفه مرجعاً خالياً من المخاطر في الأسواق، إذ يجري تسعير معظم الأصول الأخرى مقارنةً به. وعندما يرتفع هذا العائد، تصبح الرهون العقارية والقروض المقدمة للشركات والاقتراض الحكومي أكثر تكلفة.
كما تميل تقييمات الأسهم إلى الانخفاض، لأن الأرباح المتوقعة في المستقبل تُخصم بمعدل أعلى. ومع ارتفاع العائد المرجعي الذي يُنظر إليه على أنه خالٍ من المخاطر، تصبح الأصول الأخرى أقل جاذبية نسبياً، وقد تتزايد النزعة إلى تجنب المخاطر في الأسواق، ما لم ترتفع العوائد المتوقعة من الاستثمارات الأخرى بما يكفي لتعويض ذلك.
لهذا السبب، يراقب المتداولون عن كثب نتائج مزادات سندات الخزانة الأمريكية وتوجيهات الاحتياطي الفيدرالي، فهذه العوامل تؤثر في حركة رؤوس الأموال بين الأسواق المختلفة.
الخطوة الثالثة: كيف تؤثر العوائد المرتفعة في الأسهم والعملات؟
تعتمد قيمة أسهم النمو، ولا سيما أسهم شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة، بدرجة كبيرة على الأرباح المتوقع تحقيقها بعد سنوات طويلة. وكلما ابتعدت التدفقات النقدية المتوقعة في المستقبل، زاد أثر ارتفاع أسعار الفائدة في قيمتها الحالية، بسبب خصمها بمعدل أعلى.
لذلك، تتعرض أسهم النمو عادةً لضغوط أكبر من قطاعات القيمة، مثل المرافق والسلع الاستهلاكية الأساسية والقطاع المالي. وتعود هذه الفروق إلى أن أرباح بعض هذه القطاعات تتركز في المدى القريب، أو أنها قد تستفيد مباشرةً من ارتفاع أسعار الفائدة.
أما في أسواق العملات، فغالباً ما تجذب العوائد النسبية الأعلى رؤوس الأموال الأجنبية وتدعم قوة العملة. ولهذا، يتزامن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية في كثير من الأحيان مع قوة الدولار.
لكن هذا الارتباط ليس ثابتاً في جميع الظروف. فإذا ارتفعت العوائد بسبب مخاوف تتعلق باستدامة الدين الحكومي، بدلاً من تشديد السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، فقد يضعف الدولار، مع تقليص المستثمرين الأجانب انكشافهم على الأصول الأمريكية. لذلك، فإن فهم سبب تحرك العوائد لا يقل أهمية عن متابعة حجم هذا التحرك واتجاهه.
الخطوة الرابعة: قراءة علاوة مخاطر الأسهم
تقدم علاوة مخاطر الأسهم (Equity Risk Premium – ERP) مؤشراً مبسطاً لتقييم ما إذا كانت المخاطرة المرتبطة بالاستثمار في الأسهم تُقابل بعائد مناسب مقارنةً بسندات الخزانة الأمريكية.
علاوة مخاطر الأسهم = عائد الأرباح لمؤشر S&P 500 − عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات
ويُحسب عائد الأرباح لمؤشر S&P 500 بوصفه مقلوب مضاعف السعر إلى الأرباح (P/E). واعتباراً من منتصف عام 2026، يشير مضاعف ربحية مستقبلي يبلغ نحو 20.5 إلى عائد أرباح يقارب 4.9%. ومع اقتراب عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من 4.8% في أوائل سبتمبر، تصبح علاوة مخاطر الأسهم نحو 0.1 نقطة مئوية فقط، وهي نسبة منخفضة وفقاً للمعايير التاريخية، إذ كان متوسطها على المدى الطويل أعلى بعدة نقاط مئوية.
عندما تنكمش علاوة مخاطر الأسهم إلى مستوى قريب من الصفر، فهذا يعني أن تقييمات الأسهم لا تترك هامشاً كبيراً لحدوث أخطاء أو مفاجآت سلبية. ولتبرير التقييمات الحالية، ينبغي أن تستمر الأرباح في النمو بوتيرة قوية، أو أن تنخفض عوائد السندات.
ولا يعني انخفاض العلاوة أن موجة بيع ستحدث في يوم محدد، لكنه يوفر مقياساً كمياً للإجابة عن سؤال يصعب حسمه بالحدس وحده: إلى أي مدى يحصل المستثمرون حالياً على تعويض مناسب مقابل مخاطر الاستثمار في الأسهم؟
الخطوة الخامسة: ما المؤشرات التي ينبغي متابعتها؟
- نتائج مزادات سندات الخزانة الأمريكية: راقب نسبة العطاءات إلى التغطية (Bid-to-Cover Ratio)، وحصة مقدمي العطاءات غير المباشرين (Indirect Bidder Share). فقد يسبق ضعف الطلب ارتفاعات حادة في العوائد.
- توجيهات الاحتياطي الفيدرالي ومخطط النقاط (Dot Plot): تساعد هذه المؤشرات على التمييز بين تحركات العوائد المدفوعة بتوقعات السياسة النقدية وتلك المرتبطة بالعوامل المالية والحكومية.
- اتجاه علاوة مخاطر الأسهم، وليس مستواها فقط: إن تراجع العلاوة بالتزامن مع ارتفاع العوائد يرسل إشارة مختلفة عن تراجعها عندما تظل العوائد مستقرة.
- التناوب بين القطاعات (Sector Rotation): قد تؤكد انتقالات رؤوس الأموال من أسهم النمو إلى أسهم القيمة أن الأسواق تتعامل بجدية مع تحركات العوائد.


-1792145262.webp)



