أصبحت التوترات والأحداث الجيوسياسية إحدى أكبر محركات الأسواق أكثر من اي وقتٍ مضى. في الوقت الذي تزداد خلاله مخاوف السوق، يتجه المتداولون إلى الملاذات الآمنة كالسندات الحكومية. 

ردة الفعل ذات المرحلتين: الخوف مقابل التضخم

عندما تتزايد التوترات الجيوسياسية، سواءً في الشرق الأوسط أو أوروبا أو بين الولايات المتحدة والصين، يميل سوق السندات للتصرف على النحو التالي: (الشكل 1)

  • المرحلة الأولى: الخوف (تنخفض عوائد السندات)
  • المرحلة الثانية: مخاطر التضخم (تعاود العوائد الارتفاع)

التجاذب بين الخوف والتضخم هذا هو ما يجعل سوق السندات اليوم شديد التقلب.

الشكل 1: كيف تحرك التوترات الجيوسياسية عوائد السنداتالشكل 1: كيف تحرك التوترات الجيوسياسية عوائد السندات

الولايات المتحدة: بين تأمين الطلب ومخاوف التضخم

سندات الحكومة الأمريكية تتفاعل وتتأثر بشكل كبير للأخبار الجيوسياسية. فالنزاعات التي تؤثر على إمدادات النفط أو طرق التجارة نخلق أثرين عكسيين.

لماذا يحدث هذا؟

التطورات الجيوسياسية تؤثر على قابلية المخاطرة (الخوف) وتوقعات التضخم، كما يرى المحللون.

كيف يحدث ذلك؟

  • الخوف يدفع بالمستثمرين نحو السندات ← تنخفض العوائد
  • أما إذا ارتفعت تكاليف النفط والنقل ← تزداد مخاطر التضخم ← يقوم الفيدرالي بتخفيض الفوائد ← عوائد السندات ترتفع

أما للمتداولين، فمراقبة أسعار مشتقات الطاقة وتحركات التضخم تكون أساسية لفهم تحركات عوائد السندات الأمريكية.

  الشكل 2: عائد السندات الحكومية الأمريكية لأجل 10 سنوات (US10Y) – المصدر: TradingView    الشكل 2: عائد السندات الحكومية الأمريكية لأجل 10 سنوات (US10Y) – المصدر: TradingView  

أوروبا بين صدمات الطاقة وتباطؤ النمو

تواجه أوروبا ضغوطًا مزدوجة من التوترات الجيوسياسية والضعف الاقتصادي الداخلي. وبما أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة، فقد لعبت النزاعات العالمية دورًا محوريًا في تشكيل حركة العوائد الأوروبية.

لماذا يحدث ذلك؟قد تنتقل صدمة الطاقة مباشرة إلى التضخم الأوروبي، خصوصًا في منطقة اليورو، وفقًا لتحليلات المحللين.

كيف يحدث ذلك؟

  • توترات الشرق الأوسط ← مخاوف النفط والغاز ← ارتفاع توقعات التضخم ← ارتفاع أسعار الفائدة ← ارتفاع عوائد السندات
  • بيانات اقتصادية ضعيفة ← لجوء المستثمرين إلى السندات الآمنة مثل السندات الألمانية

لذلك، تبقى أسواق الطاقة وتحديثات التضخم مؤشرات أساسية لتوقع الحركة التالية لعوائد السندات الأوروبية.

الشكل 3: عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات (DE10Y) – المصدر: TradingViewالشكل 3: عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات (DE10Y) – المصدر: TradingView

صدمة سوق السندات اليابانية

يشهد سوق السندات الياباني، المعروف عادةً بالهدوء والاستقرار، تحركات حادة ومفاجئة. وقبيل انتخابات الثامن من فبراير المبكرة، قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية (JGB) إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. ويُعد هذا تحولاً كبيرًا، نظرًا لاعتماد اليابان سياسة الفائدة المنخفضة للغاية لعقود طويلة.

لماذا يحدث ذلك؟

تدخل اليابان مرحلة اقتصادية جديدة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، وضخامة الدين الحكومي، وحزم تحفيز جديدة، وفقًا لتحليلات المحللين.

كيف يحدث ذلك؟

  • توقعات برفع أسعار الفائدة من قبل بنك اليابان ←  انخفاض أسعار السندات ← ارتفاع العوائد
  • ارتفاع العوائد يشجع المستثمرين اليابانيين على إعادة أموالهم إلى الداخل
  • تمتلك اليابان نحو 5 تريليونات دولار من الاستثمارات الخارجية ← ما قد يدفع إلى إعادة هذه الأموال

تقدّر غولدمان ساكس أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية بمقدار 10 نقاط أساس قد يرفع العوائد الأمريكية بنحو 2–3 نقاط أساس، ما يبرز مدى الترابط الوثيق بين أسواق السندات العالمية واليابان. لذلك، ستبقى متابعة حركة عوائد السندات اليابانية عاملاً حاسمًا في توقع تحولات أسواق السندات العالمية.

الشكل 4: عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات (JP10Y) – المصدر: TradingViewالشكل 4: عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات (JP10Y) – المصدر: TradingView

ما الذي يجب على المتداولين مراقبته لاحقًا؟

خلال الأشهر المقبلة، ينبغي على المتداولين التركيز على المخاطر الجيوسياسية الأكثر قدرة على تحريك عوائد السندات. أي تصعيد في الشرق الأوسط قد يعطل إمدادات النفط، ويدفع أسعار الطاقة للارتفاع، ويرفع سريعًا توقعات التضخم والعوائد العالمية. كما أن التوترات بين الولايات المتحدة والصين، خصوصًا حول تايوان،

قد تضغط على سلاسل الإمداد وتزيد من تقلبات الأسواق. وتُعد انتخابات اليابان في 8 فبراير حدثًا محوريًا آخر، إذ قد تدفع العوائد المرتفعة للسندات اليابانية إلى عودة رؤوس الأموال إلى اليابان، ما يقلل السيولة العالمية ويرفع العوائد في أماكن أخرى. وستبقى البنوك المركزية لاعبًا رئيسيًا؛ فقد يواصل الاحتياطي الفيدرالي الحذر إذا ظل التضخم مُحتدّاً، بينما قد يواصل بنك اليابان الابتعاد عن سياسته شديدة التيسير. كما ينبغي متابعة النفط والذهب وزوج الدولار/الين (USD/JPY)، إذ غالبًا ما تعطي هذه الأصول إشارات مبكرة لاتجاه سوق السندات قبل تحرك العوائد.